النظام الصحي .. الانهيار سيد الموقف

الخرطوم: سكاي سودان

يمكن للمواطن السوداني ان يتعايش مع اي وضع متردئ بالبلاد، ما عدا مجال واحد، وهو النظام الصحي الذي يأمل السودانيين في اصلاحه ولكن تذهب امانيهم ادراج الرياح، حيث ما يزال القطاع يعاني من مشاكل عديدة اقعدت به، لاسيما عقب جائحة كورونا التي ضربت البلاد بقوة، وادخلت المجال الصحي في امتحان، رسب فيه، منذ البداية، بيد أن هشاشة الاوضاع الصحية اصبحت باينة للعيان في وقت لم تفلح الجهات الحكومية في تحقيق طفرة يمكن ان تفرح السودانيين بأن لصبرهم نهاية.

صورة قاتمة

ورسم اطباء صورة قاتمة عن الاوضاع الصحية بالبلاد، وشددوا على ضرورة الحاجة الى اعادة صياغتها من جديد، مع تغيير السياسات التي لم تحقق نجاح يذكر ــــ على حد قولهم ــــ وذهبوا الى ان الحكومة لا تأتي قطاع الصحة بال كبير، لجهة أنها مشغولة أكثر بالقضايا السياسية، وبالنظام البائد وإزالة التمكين، الامر الذي جعلها لا تتمكن من حلحلة قضايا الصحة التي اصبحت تزداد سوءا يوماً بعد يوم، في وقت طالبوا بالأتيان بوزير صحة لديه خبرة كافية في المجال، مشيرين الى ان العنصر الشبابي لن تسعفه حيويته الشبابية في انجاز قضايا معقدة مثل هذه.

المستشفيات الخاصة

والناظر للمجال الصحي بالسودان يجد أن المستشفيات الخاصة انتشرت بصورة كثيفة، لاسيما في العاصمة الخرطوم، حيث اصبح المواطن يرتادها ليس ـــ حباً فيها ــ إنما لافتقار المستشفيات الحكومة للبيئة المناسبة التي يمكن ان يستشفى فيها المريض، حيث يروي كثيرون ان تلك المستشفيات تفاقم من مرضه بدلاً من أن يخرج معافاة منها، بينما نجد أن المستشفيات الخاصة تتوفر فيه جميع الامكانيات، بداية بتوفر جميع الاجهزة الطبية، علاوة على العناية والرعاية التامة التي يحظى بها المريض، لكن ذلك مقابل أموال باهظة يضطر المواطن ـــ المغلوب على أمره ــــ على دفعها.

حادثة حاضرة

وليس بعيداً عن ذلك يحكي أحدهم أنه حجز لولادة زوجته قبل فترة في أحد المستشفيات الحكومية، لكنّه تراجع بعد تفقده المستشفى ومشاهدته الأوضاع الصحية العامة ومدى تدهورها، وعدم توفر حضانة احتياطية يمكن أن تساعد مولوده في حال واجهته مصاعب ما بعد الولادة، ويمضي الى إنّه اتخذ قراره السريع بالحجز لزوجته في مستشفى خاص، ما كلفه 50 ألف جنيه سوداني (نحو 1000 دولار) وفرها من هنا وهناك، بالرغم من أنّها تساوي أكثر من راتبه السنوي.

فقدان الدواء

الثابت أن المجال الصحي لا يخلو من تقاطع المصالح والترهل الإداري واللا مركزية القابضة المشتتة لتتخذ كل وزارة صحة سياسات بمعزل عن الولايات الأخرى، بيد أنّ كلّ المستشفيات الحكومية ينقصها التخطيط وضعف الكوادر الطبية، إذ أوقفت وزارة الصحة التعيين منذ فترة، وتعتمد كلياً على أطباء الامتياز والمتدربين وعلى التعاقد الخاص، وكلّهم يعملون في أسوأ ظروف ممكنة، الى جانب فقدان الدواء في الصيدليات التابعة للمستشفيات، في وقت يجد المواطن نفسه هو يدفع ثمن تردي الخدمات الصحية.

 

خصخصة الخدمات

ولا تقتصر المخاوف على المواطنين، لكنّ جمعيات ونقابات طبية حذّرت أيضاً من مستقبل النظام الصحي، مثل لجنة الأطباء المركزية، التي أصدرت بياناً أخيراً، نبهت فيه أولاً إلى تركة النظام السابق في قطاع الصحة والتي ظهرت في هجرة الأطباء والكفاءات العلمية وتدمير المستشفيات العامة، وخصخصة الخدمات الصحية، وغياب الخطط والدراسات الصحية، مشيرة إلى أنّ الوضع ساء أكثر نتيجة انتشار كورونا، ونبهت اللجنة من الظروف القاسية التي يعاني منها الأطباء والكوادر الصحية، سواء في مشاكل السكن، أو المعيشة والترحيل وعدم صرف الاستحقاقات المالية لأشهر، ما أثر بصورة مباشرة على استقرار العمل في مراكز العزل وعيادات التشخيص وفي المستشفيات، وأدى ذلك بدوره إلى خروج عدد من المراكز عن تقديم خدماته، مع إمكانية خروج مراكز عزل أكثر في ولاية الخرطوم، وخروج أغلب المستشفيات عن تقديم خدمات الطوارئ.

حجم الكارثة

وقالت اللجنة إنّ “كلّ ذلك حدث من دون أن نرى تحركاً ملموساً من الجهات الحكومية يوازي حجم الكارثة”، وحملت اللجنة في بيانها المسؤولية كاملة للدولة التي ذكرت أنّها تتحرك ببطء في ذلك الملف الحساس. ويرى الخبير في مجال الصحة، الدكتور سيد قنات، أنّ الظروف الاقتصادية التي تشهدها البلاد ستلقي بظلال سلبية على النظام الصحي المتهالك في الأصل، بالإضافة إلى الوبائيات التي امتدت طوال العام، بداية من تفشي الكوليرا في ولاية النيل الأزرق وصولاً إلى كورونا، ما خلق أعباء إضافية على الخدمات الصحية.

نقص الكوادر

ويشير قنات إلى مشكلة أخرى تتعلق بنقص الكوادر الطبية مستشهداً باختصاصي التخدير، على سبيل المثال، إذ لا يتوفر في كلّ أنحاء السودان إلاّ ما بين 380 و400 اختصاصي تخدير، بينما هاجرت البقية إلى دول الخليج العربي وغيرها في السنوات الماضية، بحثاً عن فرص عمل أفضل. يتابع أنّه قبل خمس سنوات لم يكن في ولاية شمال دارفور سوى طبيب أسنان واحد. كذلك، يشدد على ضرورة بروز دور أكبر لكليات الطب في كلّ الولايات السودانية، إذ يتوجب على أيّ كلية طبية أن تنشئ مستشفى تعليمياً بما يخدم طلابها ويعطيهم فرصة التدريب العملي في مسار تكوينهم المهني، ويخدم في الوقت نفسه أهالي المناطق التي توجد فيها تلك الكليات. ويشدد كذلك على تحسين شروط التأمين الصحي وتوسيع مظلته.

الاوضاع بالولايات

في وقت تبدو الأوضاع أكثر سوءاً في المستشفيات بالولايات، حيث نجد انهياراَ كبيراً في النظام الصحي، الامر الذي يدفع المواطنييين لتكبد المصاعب ونقل المريض الى الخرطوم عله يجد مستشفيات افضل من الريفية، بيد انها لا تتوفر فيها حتى المحاليل الوريدية والأمصال كأبسط ما يكون من أنواع الأدوية المنقذة للحياة، بجانب عدم توفر غرفة العناية المكثفة التي يحتاجها أكثر مرضى الذبحات الصدرية إذ كلّما تأخر الزمن الذهبي (الحاسم) لإنقاذ المريض وقعت مضاعفات قد تؤدي إلى الوفاة، بالإضافة إلى عدد قليل من المراكز الصحية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.