محمد ابراهيم يكتب: “فاغنر” الروسية .. “لا يلدغ الرجل من جحر مرتين”

بعد أقل من 24 ساعة على عرض مقتطفات من كتاب روسي يتناول الحرب في سورية من وجهة نظر مقاتل سابق في مجموعة “فاغنر” للمرتزقة الروس، أوقفت دار نشر روسية طباعة الكتاب وتوزيعه، في ما بدت رغبة بعدم كشف أسرار “فاغنر” التي تُتهم بارتكاب جرائم وتجاوزات إنسانية في المعارك التي تخوضها المجموعة الروسية، سواء في سورية أم ليبيا، أو حتى في بلدان كاليمن وجمهورية جنوب أفريقيا، بينما لا تزال السلطات في موسكو ترفض الاعتراف بوجود مرتزقة ينفذون سياساتها هذه البلدان.
الكتاب الذي يأتي على شكل مذكرات للمقاتل السابق في “فاغنر” مارات غابيدولين، ويحمل عنوان “في نهر واحد مرتين”، جاء وقف طبعه بعد أقل من 24 ساعة على عرض مقتطفات منه على موقع “ميدوزا”، نُشرت ضمن حوار طويل مع غابيدولين، الذي أكد أن توزيع كتابه سيبدأ في غضون أيام.
الكاتب اختار عنواناً جدلياً مستوحى من مقولة الفيلسوف اليوناني هيرقليطس “لا يخطو رجل في النهر ذاته مرتين”، في إشارة على ما يبدو إلى تكرار الأخطاء في عمل مجموعات “فاغنر” في السنوات الأخيرة، وعدم القدرة على فهم التغيّرات على الأرض والسياسة، ما تسبّب في قتل المئات من عناصر المجموعة، واستخدام “مرتزقة” صغار في العمر لا يستطيعون إتمام الواجبات الملقاة على عاتقهم لخدمة “مجد روسيا”.
غابيدولين، أو “الجد مارتين”، وهو الاسم المعروف به في صفوف “فاغنر”، يؤكد أن رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، المعروف بصفة “طباخ بوتين” وبأنه يدير “فاغنر”، هو الذي أطلق عليه اسم مارتين. ونظراً لعمره الكبير، مقارنةً بمرتزقة “فاغنر” الآخرين.
يأتي هذه بينما إتهمت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) ، أن دولة عربية تُساعد في تمويل مرتزقة فاغنر الروسية في ليبيا، بحسب ما نقلت صحيفة “فورين بوليسي” عن تقرير صادر عن المفتش العام لعمليات مكافحة الإرهاب في أفريقيا، التابع للبنتاغون. وذكر التقرير الذي قالت الصحيفة إنه صدر الأسبوع الماضي، أن الدولة العربية تساعد على ما يبدو في تمويل مجموعة المرتزقة الروسية فاغنر في ليبيا، وهذا من شأنه تعقيد علاقة الولايات المتحدة الوثيقة مع الدولة الخليجية.
ولطالما اشتبه خبراء في استخدام دول عربية متعاقدين عسكريين روس للمساعدة على تعتيم دورها في الصراع بليبيا، وأكدت حكومة الوفاق في وقت سابق أنها وثقت وجود ما بين 600 و800 مقاتل روسي في ليبيا، وقالت إنها تجمع أسماءهم وأدلة أخرى على مشاركتهم في القتال لمواجهة الحكومة الروسية بها، بينما قال موفد الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، قال في مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، نشرت يوم الاثنين 30 ديسمبر الماضي: إننا نرى أيضاً مرتزقة من جنسيات عدة – بينهم روس- يصلون لدعم قوات حفتر في طرابلس.
وكانت تقارير صحفية نشرت في مايو الماضي أشارت الى أن جيشاً من مرتزقة “فاغنر” الروسية وقوات سودانية يقاتلون في صفوف قوات خليفة حفتر وينفذون مهمات استطلاعية وتأميناً لمنشات حيوية، لكن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وقائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، نفي في وقت سابق مشاركة اي قوات سودانية بالقتال في ليبيا، مشيراً إلى أن كل ما فعله هو عرض وساطته على حكومة الوفاق التي وافقت عليها، بينما رفضها الجنرال المتقاعد خليفة حفتر. وقال حميدتي في حوار تلفزيوني بث حينها على قناة “سودانية 24″، إن “الحديث عن مشاركة قواته في ليبيا كمرتزقة غير صحيح”، مؤكداً أنه لا وجه مقارنة بين ليبيا واليمن حيث تقاتل قوات الدعم السريع، مبيناً أن المشاركة في اليمن تمت ضمن تحالف لدول تدعم الحكومة الشرعية هناك، وهو ما لم يحصل في ليبيا.
وبينما أقر رئيس حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي، بتواجد قواته في ليبيا، إلا أنه نفى مشاركتها في القتال الدائر هناك. وقال مناوي في ندوة صحفية الإسبوع الماضي بالخرطوم أن وجود قواته في ليبيا جاء نتيجة لمطاردة قواته في دارفور مما دفعها لدخول الأراضي الليبية.
وتشهد العديد من الدول وجوداً مكثفاً لمرتزقة فاغنر الروسية، والتي تعد إحدى وسائل النفوذ الروسي الخفية أو جيش الظل الروسي كما يسميهم الباحثون، وتأتي في مقدمة هذه الدول اليمن وسوريا وأفريقيا الوسطى وليبيا وشبه جزيرة القرم ، وإنتهاءا بالسودان التي وصلت اليها المجموعة خلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير الذي قدم لها كافة التسهيلات الأمنية واللوجستية للعمل بالبلاد.
وكانت فاغنر قد ظهرت في السودان خلال المشاركة في قمع التظاهرات التي أطاحت بالبشير في العام 2018 حيث كانت سياراتهم المصفحة تجوب شوراع العاصمة الخرطوم جنبا الى جنب مع القوات الموالية للرئيس المعزول.
وأعطى الرئيس المعزول إمتيازات لعدد من الشركات الروسية للتعدين وإستكشاف الذهب والمعادن الثمينة في السودان، بالتزامن مع دخول فاغنر الى السودان وتقديم الدعم والحماية للبشير.
ويعتقد بعض المراقبين أن هؤلاء الجنود من مجموعة “فاغنر” متعاقدون عسكريون روس منوط بهم حراسة مناجم الذهب واليورانيوم، بالإضافة إلى منشآت الطاقة الذرية، بينما ذكرت وسائل الإعلام الروسية في وقت سابق أن “فاغنر” تقوم فقط بعمليات تدريب عسكرية رسمية في السودان.
و يتهم الخبراء الأمنين مجموعة فاغنر الأمنية بأنها أداةً سياسيةً في يد الحكومة الروسية، ويتم إرسالها الى المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية للمصالح الروسية بهدف تعزيز المكانة العالمية لروسيا، وتضطلع شركة فاغنر بعمليات متعددة بالوكالة لصالح موسكو في أفريقيا دون الحاجة للزج بقواتها العسكرية النظامية، بينما تنفي موسكو وجود أي قوات تابعة لها في هذه القارة.
وتنشط “فاغنر” أيضًا في مجال المعلومات ومحاولة توجيه الرأي العام داخل الدول الأفريقية. وذلك من خلال استغلال تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تمتلك فاغنر حسابات على إنستغرام وتلغرام وفيسبوك بلغ عدد متابعيها ما يقارب المليوني حساب. وبعض تلك الصفحات يستهدف ليبيا، ويستهدف بعضها دولاً أخرى مثل أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية ومدغشقر وموزمبيق والسودان.
ويعتبر توسُّع فاغنر في أفريقيا مدفوعًا بمنطق تجاري أكثر منه سياسي، مع أنه يشمله كذلك؛ فالمكاسب المالية تدفع روسيا إلى تأكيد سياسة خارجية جديدة لها في أفريقيا. وتفيد التقارير بأن شركة فاغنر أضحت تسيطر على المزيد من الحقوق والامتيازات في مجالات متعددة مثل التعدين والنفط، وذلك في مقابل الخدمات التي تقدمها للبلدان الأفريقية، ومنها حماية الأنظمة الحاكمة هناك، وهو ما يسوِّغ وجود فاغنر في البلدان الأفريقية التي تتميز بضعف الحكم الديمقراطي، وارتفاع مؤشرات الفساد حتى تستطيع الحصول على الحقوق والامتيازات بأقل قدر من الرقابة في تلك البلدان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.