“سكاي سودان” كانت هناك ـ الفشقة .. بين اليوم والأمس

الفشقة: رئيس التحرير

عقارب الساعة كانت تشير إلى الساعة السابعة والنصف من صباح أمس الأول الأربعاء، عندما حلقت بنا الطائرة المروحية من القضارف متجهة صوب منطقة الفشقة الحدودية مع إثيوبيا، وهي تقل وفد اعلامي للوقوف على الأوضاع عن قرب، فالطائرة العامودية أتاحت لنا رؤية هذه الثروة التي استباحتها المليشيات والسلطات الإثيوبية، على مرأى و مسمع النظام البائد، ثمة دهشة انتابتنا ونحن نرى بأم أعيننا تلك الأراضي الشاسعة الخصبة ذات الخير الوفير، والتي تقدر بأكثر من مليوني فدان، إرتوت خلال السنوات الماضية بدماء الأبرياء من المواطنين والمزارعين وقواتنا المسلحة التي تُسيطر الآن على الأوضاع.

 

نصف ساعة بالتمام والكمال هبطت بنا الطائرة في منطقة “ودكولي” في عمق منطقة الفشقة، التي عانت ما عانت من التعديات الإثيوبية، فالمياه بمجرى نهر عطبرة، ورغم أنها تبعد بضع أمتار عن مسكنهم، إلا أن الوصول إليها كان يعرض عدد كبير من المواطنين إلى خطر الموت، حيث كانت تفرض القوات الإثيوبية ميقات محدد لجلب المياه، والتي هي في الأصل غير صالحة للشرب، ولكن مع مرور الزمن اعتاد سكان المنطقة عليها، في وقت خاطبنا أحد المزارعين هناك “لا تشربوا منها حتى لا تغير عليكم”، وأردف “هذه رسالة لابد أن توصلوها للمسؤولين في الخرطوم أننا في حاجة لمحطة مياه صحية”.


تجولنا في قريتي “ود كولي” وود عاروض” وجدنا المواطنين يتمتعون بحرية تامة في التجول والزراعة، والاكل والشرب، لا أحد يحجر عليهم، ولا يجابههم السؤال: إلى أين أنتم ذاهبون؟، فالقوات المسلحة التي تنتشر في المنطقة كإنتشار النار في الهشيم، أدخلت الاطمئنان على النفوس ورسمت خطوط عريضة لمستقبل مشرق لهذه الأرض البكرة.


سكان مناطق الفشقة اعتادوا على عبور مجرى نهر عطبرة الضيق من الغرب الى الشرق بمراكب خشبية للزراعة، ولكن منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، أصبح من غير الممكن عبور النهر الى داخل المنطقة بعد أن انتشرت القوات الاثيوبية فيها، مما مكن الاف المزارعين الاثيوبيين من زراعة الارض على مدى حوالي خمسة وعشرين عاما ، حيث لم يعد الوضع آمنا لعبور نهر عطبرة ـ بحسب حديث المزارعين لـ”سكاي سودان”، الأمر الذي جعل تعداد سكان المنطقة ينخفض من 12 الف نسمة منتصف التسعينات الى اربعة الف فقط بعد أن أجبر الإثيوبيين الآلاف على النزوح.


ولأهمية الضفة الشرقية من النهر كانت أولى خطوات القوات المسلحة بعد أن سيطرت على أجزاء واسعة من الفشقة، إنشاء معابر في منطقتي “ودكولي ـ ودعاروض”، الأمر الذي سهل من مهمة المزارعين في الذهاب إلى المزارع، وعبور الآليات والمحصول، فضلاً عن ربط القرى ببعضها البعض.


خلال تجوالنا بالفشقة التقينا بعدد من المواطنين، لمسنا الطمأنينة والأمن والراحة التي تكسو وجوههم، وفي استطلاع أجرته “سكاي سودان”، يؤكد رئيس لجنة الخدمات والتغيير، محمد عمر أحمد التوم، أن الأمن مستتب، ويمضي “لا نشعر بأي خوف طالما القوات المسلحة موجودة إلى جانبنا”. ويعود التوم بذاكرته إلى الأمس قائلاً: “كنا نفقد الأرواح والمرحات والآليات من قبل القوات الإثيوبية”.


لكن بلاشك فإن الأمن وحده ليس كافياً للمواطنين في الفشقة، فوجود خدمات مثالية أمر ملح ومطلوب وهذا ما ذهب إليه محمد بأن استقرار المواطنين في المنطقة يحتاج إلى تنمية، ويستدل بأن الصحة في القرية صفر، وينوه إلى الحاجة لمستشفى ريفي، مؤكداً أن الجهات المعنية وافقت عليه، فقط تبقى الإسراع في التنفيذ، كاشفاً عن ازمة حادة في المياه، التوم شدد على توفير أموال نقداً للمزارعين حتى يستطيعوا إعمار الأرض، مشيداً بدعم ديوان الزكاة الذي قال أنه عزز من استقرارهم بالمنطقة.

أما المزارع زكريا يحيى عبدالله زكريا، يقول “عايشين في امان لم نكن نحلم به من قبل”، ويضيف مؤشراً بيده “أنظروا للآليات هناك نضعها أمام ارتكازات الجيش”، وتطرق عبدالله إلى تدهور الخدمات بالمنطقة، وطالب الحكومة بتوفير محطة مياه من البحر إلى السهاريج، واشار إلى إنهيار عدد من الفصول بالمدارس، مشدداً على ضرورة إقامة مباني ثابتة حتى لا تنهار مرة آخرى.


فيما رسم المزارع محمد بابكر، صورة قاتمة للعقود التي مضت، وقال : “لم نكن نهنأ بالنوم دعك من الزراعة والمشاغل الآخرى”، ويمضي كنا نواجه مشاكل في الذهاب الى المستشفي الوحيد في منطقة “تبارك الله”، بسبب تعديات القوات الإثيوبية، وأردف “الآن لدينا احساس بالأمان، ويمكننا أن ننام ليلا دون ازعاج”، منوهاً إلى أن الأراضي في الضفة الشرقية لم يستفيد منها أهل المنطقة إلا بعد أن بسطت القوات المسلحة سيطرتها عليها، وأنشأت جسر يربط الضفة الغربية مع الشرقية، واضاف بالقول “ما قطعنا الشرق إلا هذا العام”، معدداً من فوائد الجسر، بابكر نوه الى ان الفشقة بحاجة الى العديد من الخدمات على رأسها “دونكي المياه”، الذي قال أنه متعطل.


بالمقابل تعهد نائب رئيس هيئة الأركان عمليات بالجيش الفريق ركن خالد عابدين الشامي، باستتباب الأمن في مناطق الفشقة وحماية المواطنين من “الاعتداءات”، وقال الشامي للوفد الإعلامي: “بذلت مجهودات كبيرة في المجال الهندسي وفي انفتاح القوات المسلحة على الحدود الشرقية مع إثيوبيا لتأمين المواطنين والمزارعين ليتمكنوا من العيش بكرامة وحرية، وهذا عهد بأن نؤمن كل مواطني السودان”. وأضاف مخاطبا الإعلاميين: “لاحظتم الأراضي الشاسعة التي عاد إليها المزارعون في الفشقة واستثمارها وزراعتها لتعود نفعا عليهم وعلى السودان”، وأردف الشامي: “رأيتم أيضا استباب الأمن في المنطقة وحرية حركة المواطنين في الأراضي بالفشقة بعد أن كانت محرمة عليهم”، وتابع : “المواطنون في الفشقة يستطيعوا الآن أن يتحركوا ويتجولوا بحرية وأمان، وهذا بفضل وجود القوات المسلحة في المنطقة، وأكد ان هذا عهد وواجب مقدس أن يعيش المواطن حياة كريمة دون الاعتداء عليه”، وأشار الشامي، إلى أن “ربط مناطق الفشقة بجسور هو بداية انطلاق تنمية المنطقة الحدودية”.


العقيد ركن كمال الدين حميدة قائد قاعدة ود عاروض العسكرية اكد بأن القوات المسلحة السودانية فرضت سيطرتها على كل مناطق الفشقة، وقال للاعلاميين ان المنطقة التي انشأت فيها القوات المسلحة كبري “ود عاروض” كانت محرمة تماماً على السودانيين، وأي مواطن تجرأ وصل إليها كان يلقى حتفه على أيدي الاثيوبيين. وأوضح حميدة أنه بفضل جسري ود عاروض وودكولي اللذان انشأتهم القوات المسلحة السودانية اصبحت حركة المواطنين طبيعية ما بين ضفتي النهر العطبراوي، الأمر الذي ساعد في توسيع المساحات الزراعية والحركة التجارية والتواصل الاجتماع بين سكان المناطق، وهو أمر كان مستحيلاً في السابق- على حد قوله-.

فيما أكد قائد قوات الدعم السريع بقاعدة ود عاروض العسكرية المقدم آدم شحات تقاديم ان القوات استطاعت تأمين حركة المواطنين بين القرى وإلى مزارعهم، وذكر ان قوات الدعم السريع والجيش تعملات تحت قيادة واحدة لتحقيق هدف واحد هو المحافظة على تراب الوطن كاملاً، وأكد جاهزية القوات لأي محاولات أثيوبية لزعزعة استقرار المنطقة.


أخيرا.. الشاهد أنه ورغم سيطرت القوات المسلحة على مساحات شاسعة من الفشقة، إلا أن هناك مناطق مازالت تسيطر عليها القوات الإثيوبية، وبحسب المتابعات فإن السلطات تفضل حلها دبلوماسيا قبل الاتجاه للحل العسكري، لجهة أنه يقطنها عدد كبير من المدنيين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.