السكن المنتج بالجزيرة .. مشروع (الفقراء) يشكو عراقيل التمكين

مدني: جاد الرب عبيد
بالرغم من ان البلاد تنعم بأراضي شاسعة (بور) لا تستفيد منها الدولة في شئ، إلا اننا نجد أن فترة ما بعد الثورة شهدت هجموم ضاري على المشاريع الزراعية لا سيما التي يمتلكها المستثمرين الأجانب، الأمر الذي وجد انتقادات واسعة، بيد أن البلاد في حاجة للأيادي الخارجية لإعمار الارض لما يمتلكونه من امكانيات ضخمة، من شأنها أن تحقق الشعار الذي يتطلع السودانيين لتحقيقه (السودان سلة غذاء العالم)، وكان آخر تلك المشاريع (السكن المنتج) لصاحبه رجل الأعمال الأماراتي الراحل الحاج سعيد احمد لوتاه، الذي نورد خلال هذه السطور محاولات تعطيل خطواته.


فكرة غير مسبوقة
رجل الاعمال الاماراتي حط رحاله بالاراضي السودانية بعد ان حقق نجاح واسع في عدد من الدول فالرجل ينشط في عمل الخير من خلال اقامة مشاريع زراعية خصصها للفقراء، الى جانب ادخال منتجاتها الى الاسواق بسعر منخفض من سعر السوق، وبدأ الحاج سعيد خطواته بالولاية الخضراء ـ الجزيرة ـ حيث رحبت به حكومة الولاية وقتها ومنحته المساحات للتنقيب عن ـ الذهب الأخضر ـ لكن الحاج اختار طريق آخر لم يسبقه عليه أحد فقد شيد مئات المنازل للمزارعين الذين يعملون في المشروع، من أجل توفير مسكن لهم وحتى يستطيعون القيام بعملهم وهم قريبون منه وينعمون ببيئة صحية صالحة للعمل، مما يسهم ذلك في تحقيق النجاح.

تجاوز السمسار
ويزخر المشروع الخيري بعدد من المنتجات الزراعية بشتى أنواعها واصنافها، والموالح، الى جانب الاسماك والدواجن والابقار والاغنام، والبيوت المحمية التي اكملت لوحة المشروع، غير انه يحظى بعدد من الورش الحرفية التي تجعل المشروع لايحتاج الى استجلاب اي شئ من خارجه، وبالمشروع أيضاً مستشفي ذات امكانيات مهولة ومسجد، فهو عبارة عن مدينة مكتملة الاركان، حيث يعتمد المزارعين فيه على الطعام من انتاجهم الوفير، فيما تقوم ادارة المشروع بتوجيه الانتاج الى الاسواق، وفي ذلك انتهجت نهج مغاير للمشاريع الاخرى، حيث تقوم ببيع الانتاج بنفسها حتى تتجاوز ـ السمسار او الوسيط ـ الذي يتلاعب في الاسعار، كما أن اسعارها ليست باهظة مقارنة بالاسواق، الامر الذي جعل (السكن المنتج) يتصدر المشاريع التي تسهم في الدفع بعجلة الاقتصاد السوداني الى الامام.

مشروع غير ربحي

لكن تلك الايجابيات التي يحققها المشروعي لم ترضي البعض حيث واجه عقبات عديدة في البدايات ولكن تجاوزتها الادارة ومضت في خطواتها المثمرة، إلى ان جاءت ثورية ديسمبر المجيدة، حيث تسبب عدد من المزارعين الذين تعاقدت معهم الادارة في شكل (شراكة)، تسببوا في ارباك العمل، من خلال ادخال العمل الثوري داخل المشروع بتكوين لجان الخدمات والمقاومة، الامر الذي امتعضته ادارة المشروع، فهي ترى أن المشروع ليس حكومي حتى تشكل فيه مثل هكذا لجان، غير أن أراضيه مسجلة باسم الشركة بشهادة بحث ومدخلات الإنتاج كلها للشركة ومسجلة بأوراق رسمية وقانونية، علاوة على أن الراحل حاج سعيد أحمد لوتاه لا علاقة له بالسياسة ولم ينتم الى تنظيم سياسي، وبحسب الادارة القانونية للمشروع فإن الاشخاص الذين يمضون في طريق تكوين لجان لا يتجاوزون العشرون، لكنهم تسببوا في إشغال المزارعين عن الإنتاج حيث أهملت هذه المجموعة تعاقدها مع الشركة وتفرغوا للمشاكل وادعوا أنهم ثوريون، وبالنسبة للإدارة فإن المشروع ليس مشروعاً ربحياً ولا يعود بالمال على الشركة، لجهة أن هدفه الأول تنمية الإنسان عبر الإنتاج وعائد المزرعة من الأرباح يذهب جزء منه لإنشاء مشروعات أخرى يستفيد مواطن فقير آخر وجزء يذهب للمزارع .

 

أصل الحكاية

وتروي الإدارة القانونية القضية، بأن بداية المشكلة كانت حينما فكرت مجموعة كبيرة من المزارعين في إنشاء جمعية تعاونية لتقديم الخدمات الميسرة لهم وقدموا طلباً لإدارة الشركة بإنشاء هذه الجمعية، وتمت الموافقة عليها بعد أن تم إخطار الجميع عبر المسجد بضرورة الإسراع والتسجيل في الجمعية وبالفعل تم التسجيل في 27 يوليو 2020 م وبعد تسجيل الجمعية ظهرت المجموعة التي ذكرناها وطالبت بأن تكون ضمن هذه المنظومة وقلنا لهم لا مانع من ذلك ولكنهم طالبوا بأن يكونوا في المكتب التنفيذي هذا طبعاً لا يجوز بعد أن اختارت الجمعية العامة المكتب التنفيذي لها، وبعدها قدموا شكوى لمسجل الجمعيات، وأيضًا اقترح لهم بأن يلحقوا بإخوانهم في الجمعية كأعضاء ولكنهم رفضوا وتمسكوا بضرورة أن يكونوا في المكتب التنفيذي وبعدها ذهبوا للجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو والتي بدورها اصدرت قراراً بحل الجمعية التعاونية وفقاً لتفكيك نظام 30 يونيو مما يعتبر قراراً غريباً جداً مع العلم أن الجمعية سجلت معها الكثير من الجمعيات الأخرى ولم تحل بقية الجمعيات، وتم استئناف القرار، وعقب هذا القرار جاء قرار آخر من نفس اللجنة “تفكيك نظام 30 يونيو” بتكوين لجنة تسيير لنقابة المزارعين بالمشروع مع العلم أن المشروع في الأساس ليست له نقابة ، ووفقا للعقد المبرم مع المزارعين وفرت الشركة كل ما يحتاجه المزارع من مدخلات إنتاج ومنزل والمزارع عليه متابعة الزراعة والإنتاج الحيواني لتكتمل حلقة المشروع بالاكتفاء الذاتي للمزارع وتخفيف أعباء المعيشة للمواطنين الآخرين من خلال السلع المخفضة التي تنتج في المشروع.


المزارعين يترافعون
خلال جولتها بالمشروع التقت “المواكب” بعدد من المزارعين الذي اكدوا استفادتهم من المشروع، واشار احدهم الى انه قادم من ولاية النيل الابيض وهو لا يملك شيئاً، والآن يسكن مع اولاده بالسكن المنتج وهو يمتلك كل شي، مشيراً الى ان انتاجه جعله يصرف في الاسبوع (17) الف، وشدد المزارعين على ضرورة ابعاد اعمال اللجان والسياسة من المشروع، بيد أنه ليس حكومي، كما ان السكن المنتج ليس بحي او قرية حتى تشكل فيه لجان، مناشداً المجموعة بالعودة الى احيائهم وتكوين لجان هناك، وطالب المزارعين الدولة بالتدخل وانهاء خطوات ازالة التمكين التي تفسد ولا تخرب على حد قولهم.


خدمة المواطن
في وقت أعرب المدير العام لمشروع السكن المنتج هلال علي الثوباني استغرابه من الخطوات التي اتخذتها لجنة إزالة التمكين، وقال كان عليها الجلوس مع الطرف الآخر ـ أي إدارة المشروع ـ واشار الى انها اتخذت القرار بالسماع من طرف واحد، عن طريق موظف باللجنة على قرابة مع احد المزارعين، واشار هلال الى ان خطوات ازالة التمكين جائرة وظالمة، ونوه الى ان الشركة وحتى ان تركت المشروع فهي لا تخسر شي، بيد أنه عمل خيري، وانها لديها عدد كبير من المشاريع بدول العالم، ولفت الى ان الخاسر هم الفقراء والاسواق التي يضخ لها المشروع المنتجات بأسعار منخفضة، وقال الثوباني إن الهدف الرئيسي الذي وضعه الأب الحاج سعيد أحمد لوتاه كان هو استثمار البشر وليس استثمار المال حتى يكون الفقير قادرًا على العطاء وأيضًا لتخفيف المعاناة عنهم، موضحاً أن المجموعة تسهم بصورة كبيرة في تخفيف حدة الفقر وتدفع بالاقتصاد السوداني الى الامام وتجعل السودان يتفرغ للمشروعات الضخمة الاخرى وأثنى هلال على التعاون الذي تجده المجموعة، ولكنه قال إنهم يريدون المزيد من الدعم المعنوي والوقوف معهم في إسكان جميع الأسر الفقيرة والمحتاجة حتى يعبر المشروع إلى أهدافه المنشودة، وأشار الى أن المشروع ببساطة ينقسم إلى عدة أقسام، منها قسم الوريقات، وآخر للمحاصيل والفاكهة إلى جانب المزرعة التي توجد بها حظيرة أبقار وأغنام ودجاج وأسماك، وأضفنا الآن بيتاً محمياً.


وأكد هلال الثوباني أن جميع المنازل بالمشروع بها اكتفاء ذاتي وقال إنهم يوميًا يدخلون للسوق بقرابة الألفي طبق بيض وأطنان من الألبان، علماً بأن سعر الرطل من منتجات المشروع لا يتجاوز الخمسة وخمسين جنيهاً وكذلك الحال بالنسبة للبيض والخضروات، فإن جميع أسعارها أقل بكثير مما هو معروض في الأسواق، وأشار هلال أن هذا الإنتاج من شأنه أن يحدث وفرة من السلع، وبالتالي تقليل أسعار المنتجات مما يخدم المواطن في جميع أنحاء ولاية الجزيرة، مبيناً أن جميع مدخلات الزراعة والإنتاج الزراعي والحيواني تقف عليها إدارات متخصصة من الشركة لتقليل التكلفة أو ثم المحافظة على البيئة النظيفة داخل المشروع خاصة وأن الشركة تستخدم الطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء والماء مما يجعل المشروع ذا بيئة صحية نظيفة في السكن والإنتاج وتحمي المواطن من الأمراض الخبيثة التي انتشرت في الآونة الأخيرة من خلال رش المبيدات التي ربما تسبب مرض السرطان. وقال إن الحاج سعيد عليه رحمة الله وفر كافة الإمكانيات المادية والبشرية لنجاح هذا المشروع ولا يبتغي سوى ربح الآخرة ولا يريد عائداً مالياً من هذا المشروع .

 

 

الحد من البطالة
فيما يقول مدير الورشة الصناعية بالمشروع المهندس شمسان محمد علي الجرادي أن مركز لوتاه التقني حديث جداً وكل شيء يتم تصنيعه داخلياً ويستهدف خريجي كلية الهندسة ونفتح لهم الاستيعاب للحد من البطالة وهو مجاناً ونعطيهم حوافز حسب الاجتهاد، وفي مجال الخدمات العامة لم نقصر في المصلحة العامة وتنمية العنصر البشري للاستثمار في الشباب الذي يعتبر الأساس لذا نسعى إليه، وقال شمسان إن مشروع السكن المنتج تقوم فلسفته على استجلاب الفقير وتوفير السكن له والأرض الزراعية حتى يتحقق المجتمع الآمن وإخرجه من دائرة الفقر عبر الاكتفاء الذاتي وتسويق المنتج لتحقيق مبدأ “نأكل مما نزرع”.


*لا نقابة
فيما يقول عضو المكتب التنفيذي لمشروع السكن المنتج ومدير منظمة إنماء الصداقات محمد المبارك ان قرار لجنة إزالة التمكين الخاص بإنشاء لجنة تسيير لنقابة المزارعين لا قيمة له باعتبار أن المشروع في الأصل ليست به نقابة وبالتالي ليس هناك دواعي للجنة تسيير لنقابة ليست موجودة، فيما قدم لنا المبارك شرحاً وافياً عن منظمة إنماء الصداقات التي تعتبر واحدة من أذرع الخير للراحل الحاج سعيد أحمد لوتاه والتي تقدم المساعدات للأسر الفقيرة وقال لنا هي منظمة خيرية لديها أعمال خيرية كثيرة منها توزيع الأغنام على الأسر الفقيرة لتستفيد منها على أن تقدم الأسرة خمسة من هذه الأغنام بعد مرور الحول عليها لتستفيد منها أسرة أخرى تكون في حاجة إليها وأضاف أن من الأعمال الخيرية التي تقوم بها مجموعة الحاج سعيد لوتاه في دبي هناك صندوق الخير وهو يقوم على كفالة الطلاب من مرحلة الأساس حتى الجامعة ويقرض المساكين تكاليف التعليم، وهناك مؤسسة الأيتام من جميع بقاع العالم، وهولاء تتكفل مجموعة الحاج سعيد بتربيتهم وتعليمهم حتى المرحلة الجامعية ليستفيد المجتمع منهم بعد ذلك، وإنماء الصداقات الهدف منها إخراج الفقير من حالة التلقي الى التصدق وقال لنا المبارك إن هذه المنظمة وزعت في السودان أكثر من سبعة آلاف رأس من الأغنام لعدد من الأسر في القرى والأحياء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.