في حوار الأسرار.. جبريل ابراهيم: هذا رأيي في تسليم البشير وسنعود إلى التمرد في هذه الحالة

حوار: إسماعيل محمد علي

نفى رئيس حركة العدل والمساواة السودانية (الموقعة على اتفاقية سلام جوبا) جبريل إبراهيم، مشاركة الحركات المسلحة في دارفور في الصراع الليبي، مؤكداً أن الانفلات الأمني في ليبيا وغياب السلطة ساعدا في دخول جماعات معارضة من دول أفريقية عديدة كالنيجر ونيجريا وتشاد وغيرها، وربما الذين يتحدثون عن مشاركة (حركات دارفور) لا يميزون كثيراً بين هذه المجموعات، فكل من يجدونه يحمل السلاح ولونه داكناً يعتقدون أنه من دارفور.

 

 

 

وأشار جبريل ابراهيم لـ “اندبندنت عربية”، إلى وجود صعوبات لتنفيذ استحقاقات السلام في البلاد، لانكماش اقتصاد الدول التي كنا نعوّل عليها بسبب كورونا، لكننا متيقنون أنه من خلال إعادة ترتيب الاقتصاد السوداني يمكننا التعامل مع جزء كبير منها، لافتاً إلى أنهم اتفقوا على أن تتعاون الحكومة السودانية مع المحكمة الجنائية بشأن تسليم البشير وبقية المطلوبين ومثولهم أمام العدالة، وأن الكرة الآن في ملعب الجنائية لتقرر من تريد محاكمتهم في السودان أو في لاهاي أو أي موقع آخر.

 

 

 

الذراع الطويلة

 

 

 

عن أسباب فشل هجومهم على الخرطوم العام 2008، الذي أطلقوا عليه “عملية الذراع الطويلة”، وهدفهم منه آنذاك؟ يقول ابراهيم، “لقد مضى على الذراع الطويلة 12 عاماً، حصلت بعدها تحولات كبيرة، بل إن عدداً كبيراً من الذين نفذوا هذه العملية ذهب إلى رحاب ربه، وآخرين ما زالوا أحياء يرزقون، كنا في ذلك الوقت بحاجة إلى أن نرسل رسالة واضحة للنظام السابق، مفادها بأنه ليس بمنأى عما يقوم به تجاه الآخرين، إذ كانت قواته تقصف القرى والأرياف والمدن بدارفور بالقنابل والمدفعية وشتى أصناف الأسلحة المدمرة، ورأينا أن نقول له (نستطيع أن نصل إلى حديقتك الخلفية بكل سهولة، وأن نهدد أمنك كما تهدد أمن الأسر والمدنيين في هذا الإقليم)، بالتأكيد، أي جهة معارضة، بغض النظر عن كونها حاملة السلاح أم لا، تريد أن تغير النظام وأن تحل مكانه، لكن لم نوفق في ذلك لأسباب كثيرة حالت دون أن نصل إلى هدفنا، ربما لسوء التوقيت، وقلة معرفة المشاركين في هذه العملية بالعاصمة، فضلاً عن أن معظم المقاتلين تمرسوا على القتال في الخلاء والصحارى، وخبرتهم في حرب المدن كانت ضعيفة، لكن الرسالة الرئيسة أوصلناها لكل الناس وهي أن النظام ليس بالقوة التي كان يتصورها الكثيرون، كما أن العملية أجبرت نظام البشير على البحث عن السلام مع الحركة من خلال منبر الدوحة”.

 

 

 

ونفى جبريل أن تكون حركته نفذت “عملية الذراع الطويلة” بدعم من دولة بعينها ومساعدتها بالنظر إلى كمية العتاد والآليات العسكرية التي شاركت فيها، قائلاً، “القوة التي نفذتها كانت قوة سودانية، ولم تكن كبيرة بالفهم الذي يتصوره الناس، كانت قوة صغيرة مقارنة بإمكانات الجيش السوداني، أو حتى قوة أخرى، بل هي ذاتها التي كنا نواجه بها القوات الحكومية في مواقع مختلفة، لكن فنون الحرب هي التي أظهرت أنها قوة كبيرة”.

 

 

 

وحول عملية اغتيال قائد حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم، بواسطة النظام السابق، وإمكان فتح بلاغ ضد متهمين بعينهم، أوضح إبراهيم أن “الأمر وارد أن نتجه إلى القضاء لفتح بلاغ في هذه الحادثة، لأن القائد خليل إبراهيم لم يستشهد في حرب، انما اغتيل بواسطة صاروخ محكم، وهو نائم عند الساعة الثالثة والربع فجراً من يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) 2011، على الحدود الشمالية لإقليم كردفان، بالتالي، فإن العملية لم تكن قتالاً أو معركة، لذا، فإن الذين دبروا هذه المكيدة لا بدّ من أن يحاسبوا، ولن نفشل في توجيه الاتهام، إذ لدينا قدر من المعلومات، ولا نستطيع أن نقول إنها كاملة، لكن بمجرد اكتمالها سنقوم بفتح البلاغ”.

 

 

 

حمل السلاح

 

 

 

لكن كيف تقيّمون هذه التجربة وتأثيرها في موطنكم دارفور؟، يجيب جبريل ابراهيم، “اعتقد ألا أحد يستطيع القول إن الحرب كلها خير، لها آثار سلبية كثيرة، لكن الذي يجبر الناس عليها أنها كانت مفروضة على أهل دارفور، وعلى أهل السودان في أماكن مختلفة من البلاد، وأمرّ من الحرب الظلم، وهو ما أجبر الناس على حمل السلاح، فإذا وجدنا في أي وقت مثلما وجدنا في هذه الفترة الانتقالية، حكومة لديها الاستعداد للجلوس مع الناس بصدق والبحث بجدية عن حلول لقضية الوطن، ما كنا حملنا السلاح، فنحن سبق أن جلسنا مع النظام السابق قبل القتال، وعرضنا قضيتنا، لكن سفّه آراءنا، ما اضطرنا أن نسمعه صوتنا عن طريق البندقية، لأنه نظام أخرس، لا يعرف مصلحة الوطن”.

 

 

 

وعن الدور الذي لعبته الحركات المسلحة في توثيق انتهاكات نظام البشير بدارفور، وإيصالها للمجتمع الدولي؟ يقول رئيس حركة العدل والمساواة، “كما تعلمون أننا كنا طرفاً في هذا الصراع، بالتالي لم يأخذ المجتمع الدولي بشهادتنا على الإطلاق، لكن كان وجود المنظمات الدولية أمراً مساعداً، لذلك لجأ نظام البشير في ذلك الوقت إلى طردها من دارفور حتى لا يكون هناك شهود على الجرائم التي يقوم بارتكابها، ومع ذلك استطعنا عبر هذه المنظمات إيصال المعلومات الصحيحة والانتهاكات التي تمت في هذه المناطق، وتعرفت الحكومة السودانية نفسها على حجم هذه الانتهاكات، ما اضطرها في 2005  إلى إرسال لجنة تحقيق برئاسة القاضي دفع الله الحاج يوسف، التي قامت برفع تقرير شامل، شكلت الأمم المتحدة في ضوئه لجنة للنظر في القضية، وأحالت الأمر على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي”.

 

 

 

الجوع والتهجير

 

 

 

بشأن صحة الأرقام التي رصدت لعدد القتلى والنازحين واللاجئين جراء حرب دارفور، أضاف، “إذا ادّعت أي جهة أو حركة من الحركات المسلحة أنها تمتلك معلومات دقيقة عن أعداد القتلى والنازحين واللاجئين، فهو باطل ويفتقد الصدق، نحن لدينا تقديرات لكن لا أستطيع القول إنها دقيقة مئة في المئة، صحيح أن المنظمات التي قدمت الخدمات مثل الغذاء والدواء وغيرهما في معسكرات النازحين واللاجئين، كانت لديها أرقام من خلال السجلات اليومية، كما تحدثت الأمم المتحدة عما يقارب الـ 300 ألف قتيل، وثلاثة ملايين نازح، ومليون لاجئ، لكنها أرقام قدرت العام 2003، واستمر بعد ذلك الموت بسبب الجوع والتهجير والمرض، لذلك ليست دقيقة، فهي أكبر من التي نشرت”.

 

 

حول رؤيتهم لاتفاقية سلام جوبا، وأثرها في استقرار دارفور، وإمكان تنفيذها في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد؟، يقول، “نحن نحسب أنه في الإمكان تنفيذها على الرغم من العوائق الكبيرة، وعلى رأسها العائق الاقتصادي، صحيح أننا وقعنا اتفاقية السلام مع الحكومة السودانية في وقت ينكمش فيه الاقتصاد العالمي بسبب جائحة كورونا، وانخفاض كبير جداً في أسعار البترول، وكنا نعوّل على دول الخليج بأن تساهم في دفع استحقاقات السلام، لكن مع تراجع سعر البترول، واستمرار حرب اليمن، وليبيا، وسوريا، أصبح من الصعب جداً أن تساهم الدول الخليجية في هذه العملية، مع ذلك نحن متيقنون من أنه من خلال إعادة ترتيب الاقتصاد السوداني يمكن مقابلة جزء كبير من هذه الاستحقاقات، وأيضاً برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب هناك فرصة للحصول على موارد من خارج البلاد لتنفيذ السلام ودعمه”.

 

 

 

المحاصصة السياسية

 

 

 

وباتهام الحركات المسلحة بالهرولة نحو السلطة والمحاصصة على حساب قضية درافور ، يجيب إبراهيم، “أصحاب الغرض هم الذين يروّجون لذلك، لكن عندما تطلع على اتفاقية السلام تجد أن الحديث عن المشاركة في السلطة يتضمن جزءاً بسيطاً جداً من الملفات الكبيرة التي تم الحوار فيها، فمثلاً من مجموع ثمانية ملفات تتعلق بمسار دارفور، نجد أن هناك ملفاً واحداً تحدث عن المشاركة في السلطة، ومن الطبيعي أيضاً أن يشارك الناس في حكم بلادهم، وأن يكونوا في الوقت نفسه شركاء في الاتفاقية التي وقعوا عليها، فالذين يقولون إننا مهتمون بالمحاصصة السياسية فقط يريدون أن يستأثروا بالحكم ولا يريدون للآخرين أن يشاركوهم السلطة، وهذا أمر غير مقبول بأن تكون في قمة الحكم وتقول للآخرين ليس من حقكم السؤال عن المشاركة في الحكم والمحاصصة”.

 

 

 

وفي ما يتعلق بتسليم المتهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور، كالبشير وأعوانه، إلى المحكمة الجنائية في ضوء ما نصت عليه اتفاقية السلام، يوضح، “نحن اشترطنا واتفقنا أن تتعاون الحكومة السودانية تعاوناً كاملاً غير مشروط مع المحكمة الجنائية، وفي مثول المطلوبين لدى العدالة أمامها، بعد ذلك، الأمر متروك إلى رؤية المحكمة نفسها، هل تريد أن تحاكمهم في لاهاي أو في موقع آخر، أو في السودان بوجود المحكمة الجنائية وشهادتها، فهذا أمر يتوقف عليها أكثر من أي جهة أخرى، الاتفاقية فتحت الطريق للمدعية العامة للمحكمة الجنائية بأن تزور الخرطوم للحديث مع المسؤولين بهذا الشأن، وستعود قريباً إليها لتزور دارفور وتلتقي بأهل الضحايا والنازحين، فالأمر الآن في ملعب المحكمة الجنائية”.

 

 

 

استيعاب المقاتلين

 

 

 

هل بالإمكان أن تعود الحركات المسلحة إلى التمرد على المركز مرة أخرى؟ يوضح، “لا أحد يرجو ذلك، ولا نتمناه، لكن إذا عجزنا عن تنفيذ اتفاقية السلام بصورة مرضية، مثلاً، إذا لم يتم استيعاب حملة السلاح في القوات المسلحة السودانية، أو في الحياة المدنية بشكل مرض، قد يجدون أنفسهم مضطرين للبحث عن حقوقهم بوسائل أخرى، بالتأكيد هناك متفلتون قد يلجؤون إلى خيار حمل السلاح، لذلك مهم جداً أن تجتهد الأطراف المسؤولة في تنفيذ الترتيبات الأمنية، والدمج والتسريح لضمان استيعاب أكبر عدد ممكن من حملة السلاح في الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية، وأيضاً في الحياة المدنية حتى لا يلجأ أحد إلى حمل السلاح مرة أخرى”.

 

 

 

وعن أثر غياب حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، والحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو عن توقيع اتفاقية السلام في جوبا، يشير جبريل إبراهيم إلى أننا “ندعو القائدين عبد الواحد والحلو إلى الالتحاق بركب السلام، فإذا كانت لديهما إضافة حقيقية للاتفاقية فمرحباً بهما، ونعتقد أنها عالجت جذور المشكلة السودانية وآثار الحرب بصورة مرضية وبالشكل المطلوب، ورجاؤنا أن يعيدا النظر في مواقفهما، وأن ينظرا إليها ويتمحصا فيها، فإذا كانت لديهما ملاحظات ومقترحات فالمنبر مفتوح والوساطة مستعدة، والعالم كله مستعد للتعاون معهما للحاق بركب السلام”.

 

 

 

الصراع الليبي

 

 

 

عن اتهام الحركات المسلحة بالمشاركة في الصراع الليبي، وموقفها مما يجري هناك بحكم أنها تتاخم دارفور، يقول إبراهيم، “ليبيا دولة متاخمة لدارفور، وفي فترة من الفترات كان يعمل فيها أكثر من 700 ألف سوداني، فضلاً عن التجارة التي كانت منتعشة بينهما، بالتالي فإن أي اضطرابات في ليبيا تنعكس تداعياتها على الدولتين، وصحيح، دائماً ما تحصل تفلتات في عمليات الحرب خصوصاً إذا كانت هناك إغراءات من هنا وهناك، إما للحصول على المال أو السلاح أو المركبات أو حتى كملجأ آمن للأطراف بسبب الحرب، وليبيا الآن في حالة تفلت كامل لغياب السلطة الحاكمة، لذلك انتشرت فيها جماعات معارضة من دول أفريقية عديدة كالنيجر ونيجريا وتشاد وغيرها، وربما الذين يتحدثون عن الحركات المسلحة السودانية في ليبيا لا يميزون كثيراً بين هذه المجموعات، فكل من يحمل السلاح ولونه داكن يعتقدون أنه من دارفور، لكن قد يكون من أي دولة من الدول الأفريقية الأخرى”.

 

 

 

 

وعن رؤيته لمستقبل حركته بعد فترة الانتقال، هل سيتجه لتأسيس حزب سياسي أم يندمج مع حزب آخر؟ يجيب رئيس حركة العدل والمساواة، “بالتأكيد ستتحول حركتنا إلى حزب سياسي، وهذا أمر معلن ليس بجديد، لكن أيضاً سنتحاور مع الآخرين، ونتفاوض معهم من أجل إقامة تحالفات سياسية، وفي اعتقادي أن كل القوى السياسية السودانية بحاجة لتكوين تحالفات جادة لخوض الانتخابات، وإذا ادعت جهة أنها قادرة على الحصول على أغلبية مطلقة في البرلمان المقبل، ربما لم تحسب هذا الأمر حساباً دقيقاً، وأرى أن من الأفضل تأسيس كتلة تاريخية لهذه المرحلة”.

 

 

 

الصراع الأيديولوجي

 

 

 

كيف تتصور مسار الفترة الانتقالية في ظل التباينات الفكرية بين القوى التي ستحكم المرحلة المقبلة بموجب اتفاقية جوبا للسلام؟ يجيب، “أمنيتنا أن يخرج السودان من حلقة الصراع الأيديولوجي إلى التنافس من أجل خدمة المواطن، خصوصاً أننا أضعنا عقوداً طويلة من عمر الحكم الوطني في هذا الصراع، ما أدى إلى عدم استقرار البلاد، ووقوع انقلابات عسكرية متتالية، يجب علينا أن نركز على ماذا سنقدم للمواطن، وكيف نخفف معاناته من خلال وضع برنامج اقتصادي محكم للنهوض بالبلاد وإعمار ما دمرته الحرب وإعادة النازحين واللاجئين”.

 

 

 

وعن مغزى تعليقه على عمل لجنة إزالة تمكين النظام السابق، الذي فسره البعض بأنه يبحث عن مخرج لعناصر نظام البشير، وهل يريد أن يقول عفا الله عما سلف؟ يوضح، “لا أبداً، لا أعني ذلك، ربما بتر حديثي، أنا أدعو بوضوح شديد إلى محاكمة أي مجرم، واسترداد الأموال العامة من أي شخص أخذها بطريقة غير مشروعة، وأعتقد أن العقوبة مهمة لأنها مانعة للجريمة. لكنني لا أريد أن يكون هناك جسم يملك كل السلطات الشرطية والنيابية والعدلية والقضائية وغيرها دفعة واحدة، فهذا مخالف للعدالة ومشوّه لها وللشعارات التي رفعتها الثورة، فما أدعو إليه أن نذهب إلى دولة القانون، وتطبيق شعار الثورة (سلام، حرية، عدالة)”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.