لماذا تكررت تسريبات استقالة حمدوك وكيف يراها الشارع؟

الخرطوم- سكاي سودان

 

أكد مصدر مقرّب من مكتب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك -للجزيرة نت- أن حمدوك لم يقدّم استقالته من منصبه بعد، وربط تقديم استقالته أو الاستمرار في موقعه بما ستسفر عنه المستجدات على الساحة السياسية خلال الفترة القادمة.

 

 

وكانت أنباءٌ صحفية تحدّثت عن استقالة حمدوك واستعداد أعضاء مكتبه للرحيل، بينما قال مراقبون إن تلك التسريبات مجرّد مناورة في ظل الضغوط التي يواجهها رئيس الوزراء لتنفيذ الاتفاق الذي وقّعه مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتداول فيها الأوساط السياسية والإعلامية خبر استقالة حمدوك، والتي رشحت بعد مظاهرات 25 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بل سبقتها تسريبات عن استقالته فعليا وإبلاغه عددا من الشخصيات القومية والمفكرين باعتزامه ذلك الأسبوع الماضي، بسبب ضغوط المكون العسكري، ولعدم توافق القوى السياسية على ميثاق وطني، ولكنّه أرجأها أياما استجابة لمبادرات لحل الأزمة.

 

 

وشهدت الشهور التي سبقت إجراءات البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تسريبات متكررة عن استقالة حمدوك، ولكنها انتهت بوضعه قيد الاحتجاز المنزلي بعد حل حكومته واعتقال عدد من أعضائها.

ويشهد الشارع السوداني انقساما بشأن الاستقالة التي لا تزال في طور التلويح بها، بين متفائل بغيابه عن المشهد السياسي ومتشائم من مآلات ذلك.

غير أن الأمر لا يخص الشارع السوداني وحده، بل له امتداداته الخارجية، حيث يراهن المجتمع الدولي على أهمية حمدوك في رأس السلطة المدنية، وقد أكد المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان -الأسبوع الماضي- على اتصال واشنطن بحمدوك.

وقال فيلتمان إنه يشعر بالإحباط لعدم قدرة حمدوك على التقدم للأمام في العديد من القضايا التي تقود للانتقال إلى حكومة مدنية، مشددا على أنه لاعب مهم جدا، ويمثّل ثقل الجانب المدني في ترتيبات الانتقال.

 

 

الاستقالة جدية
وبتقدير المحلل السياسي شوقي عبد العظيم -القريب من دوائر مجلس الوزراء- فإن حمدوك جاد في استقالته وأبلغ كل الأطراف المعنية بأنه فشل في تنفيذ بنود اتفاقه مع البرهان في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولكنه لم يقدمها حتى الآن.

وعزا عبد العظيم -للجزيرة نت- فشل حمدوك لمراهنته على التوافق بين القوى السياسية المختلفة، وصياغتها للميثاق السياسي المنصوص عليه في الاتفاق بينه والبرهان، والذي كان يدور حول العودة إلى العمل بالوثيقة الدستورية الأولى الموقعة في 2019.

وأضاف المحلل المطّلع أن العراقيل التي حاول المكون العسكري وضعها أمام الرجل أثناء مباشرة عمله التنفيذي، لعبت دورا كبيرا في توجهه للاستقالة، مشيرا إلى عرقلة المكون العسكري إطلاق سراح المعتقلين عقب إجراءات البرهان، وتوجيه تهم جنائية لهم، إضافة إلى قمع المحتجين، وقطع الإنترنت، وهو ما يتعارض مع الحريات، خاصة أن هذه كانت واحدة من مبررات حمدوك لتوقيعه الاتفاق مع البرهان لفك الاختناق السياسي وحقن الدماء.

وقال شوقي إن هناك العديد من المبادرات المباشرة وغير المباشرة لإثناء حمدوك عن الاستقالة، بما فيها مبادرات من قوى الحرية والتغيير، “إلا أنه فعليا لم يقدم استقالته، لكنه أقرب إليها”.

 

مؤيدون ومتخوّفون
من ناحيته، يرى المحلل السياسي الحسين أبو جنة أن من مصلحة تحسين أوضاع السودان الداخلية “أن يستقيل حمدوك وبلا عودة”.

وقال أبو جنة للجزيرة نت إن تداعيات سلبية ربما تنشأ عن الاستقالة في إطار الضغوط الدولية والإقليمية التي تراقب الأوضاع عن كثب، لكنه اعتبرها “تداعيات مقدورا عليها” بقليل من التنسيق مع أطراف إقليمية، وبغرض تمويل مشروعات استثمارية ضخمة تنعش حركة الصادرات وتفتح فرصا كبيرة لتشغيل الشباب.

وكانت الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية والبنك الدولي أوقفوا المنح والمساعدات المالية التي كانت مقررة لحكومة السودان خلال الفترة الانتقالية، بعد إعلان حالة الطوارئ وحل البرهان المجلس السيادي والحكومة، حيث جمدت واشنطن منحة للسودان بقيمة 700 مليون دولار، وأوقف البنك الدولي ملياري دولار لدعم مشروعات البنية التحتية على مدى عامين.

غير أن المحلل أبو جنة يقول إنه “على الرغم من عودة حمدوك بقوة إلى واجهة الحكم بعد اتفاقه مع البرهان، فإن الأحوال الاقتصادية والسياسية، وربما الأمنية، والعلاقات الخارجية، ما زالت متدهور وفي تراجع مستمر.

وبرأيه، فإن ذلك يحسب على أداء حمدوك شخصيا، كونه رئيسا للحكومة لدورتين انتقاليتين، “لكن دون أثر ملموس”. ويضع المحلل تلويحه بالاستقالة في سياق “استدرار عطف الشارع السوداني، وتشكيل رأي عام إيجابي لصالحه، والضغط على المكون العسكري”.

متظاهرون اتهموا حمدوك بخيانة الثورة بعد اتفاق عودته للسلطة مع البرهان، وجددوا تمسكهم بالدولة المدنية (الفرنسية)
فراغ سياسي
لكن المحلل السيسي ماهر أبو الجوخ حذر من أن استقالة حمدوك “ستُحدث فراغا سياسيا يعلم حجم آثاره الغاضبون منه أكثر من المتعاطفين معه”.

وقال أبو الجوخ للجزيرة نت إن وجود حمدوك على رأس السلطة يمثل كابحا لتداعيات خطوات “الانقلاب” سياسياً وأمنياً وخارجياً، وإن خروجه من المشهد يعني السيطرة الكاملة للمجموعة “الانقلابية” على زمام الأمور.

من ناحية، وبرأي المحلل، فإن فرص التعاون مع المجتمع الدولي ستتراجع، وسيزيد الاحتقان في الشارع من فرضية انتقال المشهد السلمي إلى مربع العنف في ظل ضعف الحكومة المركزية.

بل إن غياب حمدوك -برأيه- سيقود البلاد إلى “صراعات تُنهك المؤسسات القومية الضعيفة أصلا”. وحذر من اقتراب المشهد من انهيار الدولة.

أما الكاتب السياسي صدّيق محيسي، فتحدّث عن عدة احتمالات في حال استقالة حمدوك: أوّلها انكشاف ظهر العسكر والقوى السياسية التي تدعمهم، وهذا -باعتقاده- سيؤثر على علاقات السودان الخارجية بعد الانفراجة الكبيرة التي شهدها إثر الإطاحة بنظام عمر البشير، ويعود السودان إلى عزلته مرة أخرى.

لكنه استدرك بأن هذا لن يثني العسكر عن المضي في إقامة نظام حكم أشبه بنظام السيسي في مصر، خاصة مع الدعم الإماراتي والمصري لهم، وأضاف “إنهم فعلاً يسعون لاستقالة حمدوك رغم من عدم امتلاكهم رؤى سياسية واضحة، ولكن مخاوفهم الشخصية هي ما قد يدفعهم لتبني هذا الموقف”.

والاحتمال الثاني -بحسب محيسي- هو ألا تؤثر الاستقالة على المدى القريب في المشهد السياسي إذا التزم البرهان بالوثيقة الدستورية وأكمل الفترة الانتقالية وصولا إلى انتخابات بنهايتها، وأن يجد الدعم الكافي من المجتمع الإقليمي والدولي لتحقيق ذلك.

لكن، يرى الكاتب أن الاحتمال الثالث -الأقرب للتحقق- هو أن يمتلك الشارع قيادة قوية وقادرة على تغيير المعادلة، خاصة مع الحراك الاحتجاجي الواسع رفضا لاتفاق البرهان وحمدوك كليا.

وقال إن هذا قد يقود إلى الإطاحة بالسلطة الحالية، إذا توافقت القوى المناهضة لها على معالجة تناقضاتها وخرجت ببرنامج وآليات واضحة لما بعد إسقاطها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.