الرفيع بشير الشفيع يكتب: الرحيل المر

لماذا يُهللُ هؤلاء بجنازة أخيهم أحمد!!!

 

بقلم : الرفيع بشير الشفيع

٢٣ ابريل ٢٠٢٢

________________________________

 

عزاؤنا في أحمد عبد الرازق، وما يُصبِّرُنا على فراق أحمد، أن أخوته وأهل بيته خروجوا يزْفُونه للقاء ربه بالتهليل والتكبير، ولمثل فراق أحمد يبكين البواكي وتنتحب النفوس وتجيش بالحزن الدفين ، لكنّ إخوته خرجوا وهم لا يُزكونه على الله ، لكنهم خرجوا يهللون مستبشرين له للقاءٍ كان يفرح به ويتطلع للقاء ربٍ عظيم رحيم ، وقد عمِلَ لذلك منذ أن شبَّ وقام ، رتقاً للرحم ووصلاً له رحيم ، كان يمثل سَيّاجا يحيك علائق الرحم ويحبكها بفهم يسمو على الأفهام ، كان يصل الجميع وحبيب ورحيم مع جميع أهله ، وكَنزَ من خير وشائج الرحم ما يجعل أخوته يكبرون ، على أنه ذهب الى ربه غير مفتون وهم يحمدون له الإياب والرجعة لله.

 

مثلُ قلب أحمد ، الكبير ، الذي لم يُبطره الرفاه الذي عمّ الأسرة منذ نعومة أظافر أحمد ولم تُغُرّه الدنيا ولم تظهر عليه وعلى طبعِه الدِعة ، كان يتعامل مع الدنيا وغَرورها على أنها إستراحة مسلم للعودة والرجعة لله ، المالُ فيها وسيلة والعمر كله والعمل فيها فسائل يزرعها لوجه الله، فكان الطبعُ وكانت الرحمة وكان التواضعُ والفضل ، وكان حب الناس، كل الناس، يحترم إنسانيتهم ، ويحبهم لوجه الله، وكانت خرائد الطبع ولين العريكة ، والدين المعاملة وكان التعففُ والرجاء في الله ، وكانت الدنيا عنده بمعانيها ومغانيها إنما هي مخادة عبور ، شَمّر لها سواعد الرحمة والتدين وعبرها بأخلاقه وسماحته وتَلطُّفه مع الناس ، لذا لم يبكي هؤلاء ، ولو أن الدمع الثخين يَقْطُرُ في الحنايا ، فكان الموكب المهيب إلى ربه تَحفُه التهاليل والتباشير فرحاً له بلقاء ربه الرحيم.

 

خرج أخوته وهم يستبشرون وهم يعلمون كما يعلم الجميع ويشهدون له كما يشهد له الجميع من خاواه وصادقه وجالسه واستمع إليه ، أن أحمداً كان مُ ربيّاًوكان مُعلمّا للسجايا ومَعْلماً للناس حوله، زعالمّا بطبائعهم ، يُداري هذا ، ويُداعب هذا ويبتسم لهذا ويفرح هذا ويأخذ بيد هذا وينير الطريق لذاك ويُخص هذا بالحنو وذاك بالحب والدفء ، كان دَهقاناً كبيراً يُوزِّع الفرح بين الناس ، ويبشّر ولا يكشر ، وكان دينه المعاملة.

 

خرج هذا البيت يكبر في جنازة أحد أهم أركان البيت وأركان شبشة ، وكان الناس حولهم بين محزون وباكٍ ومفتون، لكنهم خروج يهللون ويكبرونه ، إنه المثال في التصّبُر ممزوجاً بالرضى.

 

إنه الدرس العظيم ، يُسجّلُ به أخوة أحمد ، اولى الخطى نحو القبول وتقبل أمر الله بالرضى ، ونزع الطبع والنفس من العادات التي يتأذى منها الراحلُ لربه ، ونجني منها الذنوب ، خرج إخوتُه يهللون ويكبرون ويضربون لنا الأمثال ويعطوننا درسا في تقبُّل الموت ، بوابة لقاء العزيز الرحيم ويا له من لقاء يرتجيه الطيبون أمثال أحمد ، الذي لاقى ربه باسمها وشهيدا مبطوناً ، مبتلىً وصابرا، وإنه المثال الذي يعلو على جزعنا ووجلنا ومفاهيمنا للموت وللفراق ، مثالٌ في عوالمنا التي تتحكم فيها العادات وثقافة حب الدنيا والتمسك بها وهي تجفونا وتعافنا ونبتلى فيها كل يومٍ بوجع ، وكل يومٍ بمحاص ، وتجفُل منا ونحن نلاحقها ، لا نتعظ كثيرا بالموت ولا نفقه معناه ، ولا نتحمله ، فنجزع ونثكل وكأن الموت هو نهاية الحياة ، وليس معبراً لخير أعظم عند الله.

 

كان أحمدُ داعيةً لله من نوع خاص، وكان رمزا يتخفى خلف التواضع وزعيما مَثّل شبشة في الجنوب وفي الخرطوم وفي كل مكان ومحفل ، بما يعطي المثال في المعنى والفعل والمقال، ما جلسنا معه إلا نهلنا من فيض عمله وأدهشنا بذاكرته العامرة بكل مثير، وكان ساعياً بين القبائل في الجنوب وفي الشمال، يرخي بينها شعرة معاوية ، ويحجيها عن السقوط في الفتن والبغضاء بصدره الرحيب وبمفهومه المتعال، وكان رحمه الله ، رمزا شباشياً وسودانيا خالصا لا تحد شباشيته ولا سودانيته حدود ، و(لقد إلتقيته في لقاء حافل لتكريم وفدنا من جنوب أفريقيا في مجلس الصداقة الشعبية العالمية ، وسألته ماذا تفعل هنا فقال لي أنه رئيس لجنة الصداقة الشمالية- الجنوب السودانية حتى بعد الإنفصال بسنين ، فقلت في نفسي وأنا اتفحص وجهه ، يالك من إبن سودانيِّ بار ، يتعالى على الجراح ويكبر على العصبيات ويعلو على سواقط النفوس ، ولا نزكيه على الله.

 

اللهم نسألك أن تجعل لقاء أحمد بك فرحاً له ، كما يفرح بلقاك الصالحون والشهداء ، وعيدا له ، يفرح به مع الذين مننت عليهم بالفرح في ذلك اليوم العظيم، (فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَآهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

 

الرفيع بشير الشفيع

٢٣ ابريل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.