بكري المدني يكتب:صلح حميدتي وقوش- معلومات واحتمالات!

بكري المدني يكتب:صلح حميدتي وقوش-معلومات واحتمالات!

 

واضح أن المعلومات عن التواصل الذي تم مؤخرا بين الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) والفريق أول صلاح عبد الله (قوش) صحيحة.. ولكن الصلح الذي تم بينهما أقرب لإعلان المبادئ بين الفرقاء السياسيين، حيث لم يتعد الأمر الاتفاق على ألا يتعرّض أحدهما للآخر وألّا يعمل ضده، وهذا بسبب أن حميدتي لا يثق في قوش ويرفض التعامل معه ويرفض أيضا عودته للبلاد، وعليه فإن الحديث عن صلح تام أو اتفاق كامل لا يزال بعيدا، رغم مواقف قوش المرنة وعدم تعرضه لحميدتي منذ التغيير وحتى الآن، في العلن على أقل تقدير.. أما حميدتي فلقد سبق أن هاجم قوش واتهمه بالعمل على زعزعة الأحداث، هذا غير تصريح حميدتي الشهير بالقضاء على قوة هيئة العمليات بجهاز الأمن والسيطرة على أسلحتها الثقيلة، وهي القوة التي كان قد أعدها قوش، وكانت محسوبة له قبل تصفيتها.
إن موقف حميدتي من قوش يطرح السؤال عن الأسباب خاصة وأن العلاقة بين الإثنين كانت وثيقة جدا، فقوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي نشأت أصلا في كنف جهاز الأمن والمخابرات الذي قاده قوش لأطول فترة في عمره كما أن هناك أخبار عن عمل تجاري جمعهما من قبل في محال تصدير الماشية إلى مصر وعن عهد على الكتاب بعدم الخيانة وهو القسم المعروف عند أهل دارفور بـ (خوة الكتاب).. وحتى عندما قامت المظاهرات في 2018م وبدأت معالم التغيير تطابقت رؤى حميدتي وقوش، وحرص الأخير الذي كان مهندسا للتغيير على ضرورة موافقة ومشاركة حميدتي كقائد ثاني أكبر قوة بعد الجيش.
تطابق الرؤى قبل التغيير وصل مرحلة أن يقترح كل من حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، كما تؤكد أخبار التغيير اقتراحهما على قوش أن يتقدم لاستلام الحكم، ولكن ولطبيعة الجو المشحون بالهواجس والظنون وقتها رفض قوش مرددا (أنا ما بخون الرئيس – أنا بخون الرئيس!) وربما دافع قوش في ذلك محاولته القديمة معالجة واحتواء تحرك مجموعة العميد ود إبراهيم، لكنه وجد نفسه متهما بقيادتها من البشير والذي أرسله قبل الجميع للسجن!.
إن حرص قوش وحذره تلك الأيام لإنجاح التغيير كاد أن يكشفه آخر ليلة، عندما استبد به القلق وذهب للبشير في مكتبه بلا موعد ولا سبب، وهي الليلة التي التقط أي منهما الشك من عيون الآخر فأرسل البشير الفريق أول حميدتي خلف قوش لكن الأخير كان أسرع وحدث ما حدث!.
إن حرص قوش الزائد – في تقديري – كان سببا في مواقف حميدتي وعدم ثقته اللاحقة فيه، فلقد عمد قوش الذي كان مهندس كل شيء على عدم استيعاب حميدتي في المجلس العسكري الأول، (مجلس بن عوف) رغم مشاركة حميدتي الكبيرة في التغيير، وإن كانت تقديرات قوش بعدم ظهور حميدتى في المجلس العسكري لمزيد من إنجاح التغيير، وحتى لا يحسب الثوار أن ما تم التفاف على الثورة، وهو الشيء الذي جعل قوش يستبعد نفسه أيضا من قائمة المجلس العسكري، إلا أن حميدتي -على ما يبدو- شك في الأمر وخشي من الاستغلال، وتواصل مع قوى الحرية والتغيير وحدث ما حدث أيضا !
ليس هناك شك أبدا في أن الخصوم التاريخيين للفريق أول صلاح قوش خاصة من جهاز الأمن قد استفادوا من أجواء عدم الثقة بينه بين حميدتي، وعملوا على توسيع دائرة الشقة، وأولهم الفريق طه الحسين مدير مكاتب البشير السابق والسعودي اللاحق، والذي وصل التعارك بينه وبين قوش مرحلة كسر العظم، واقتراب طه الأخير من حميدتي ووجوده في قلب دائرة التأثير الخليجي على السودان لابد أن يكون على حساب قوش وعلى حساب علاقته مع حميدتي.
إن حرص قوش – أيضا على التواصل مع حميدتي والتصالح معه – يقوم على معرفة قوش بأن معادلات القوة على الأرض لصالح حميدتي، وأن الأخير سيظل فاعلا على الأرض سياسيا وعسكريا لسنوات طويلة قادمة.. واستجابة حميدتى للتواصل والصلح المحدود مع قوش يعود ربما إلى معرفة حميدتي بمقدرة قوش المتواجد بشكل دائم بمصر والمتواصل بلا شك مع أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية، يقوم على معرفة حميدتي بمقدرة قوش على إلحاق الضرر به وبمستقبله السياسي ولو بعد حين، خاصة وأن أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية تعمل وفق سياسات كلية لدولها، والتي تقوم على المصالح الدائمة وليس الصداقات القائمة، وهذا ما سيكون عليه حالها بالضبط مع الفريق أول حميدتي مثلما كان حالها مع الفريق أول صلاح قوش بعد أن فقد الكثير من كروت اللعبة الداخلية !.

الطابية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.