الكاتب والروائي الإريتري هاشم محمود يكتب: من يصنع الديكتاتور؟

هل يجب أن نلوم روما القديمة على هذه الخطيئة الكبرى التي توارثناها عن هذه الجمهورية عندما ابتدعت لفظة الديكتاتور للمرة الأولى في التاريخ وعهد مجلس شيوخها إلى القاضي ليدير الدولة فصار ديكاتورا؟
الحقيقة أن روما ذهبت في طي التاريخ، وبقيت الديكتاتورية محل تطوير وابتداع تفسد الحاضر وتقتل الأمل في المستقبل، لأنها أصبحت ترضي نهم المتعطشين إلى السلطة والسيادة، والباحثين عن مكاسب سلطوية استبدادية على جثث وأحلام ومقدرات الشعوب التي يحكمونها.
شغلني سؤال عنونت به هذا المقال: من يصنع الديكتاتور؟
فوجدتني أسير مدفوعا بجنايات كل ديكتاتور ومخلفات فكره وبطش يده، لأحدد ثلاث أسباب من وجهة نظري المتواضعة تساهم مجتمعة في إنتاج هذا النوع من الجبارين البطاشين المغتالين للحقوق والحريات.
تمثل سيكولوجية الديكتاتور السبب الأول في صناعة هذا المنتج الرديء من البشر (الديكتاتور)، هذه السيكولوجيا هي جمع سلوكيات سيئة وعوار في التنشئة وسوء تعليم يؤدي في النهاية إلى إصابة شخص الديكتاتور بالتغول والطمع واستكمال عقد النقص المتوطنة بداخله في تضخم الذات وانتفاخ الأنا والاستئساد على كل من دونه في المنظومة التي يصل إلى رأسها بكل الطرق غير المشروعة والأدوات المحرمة إنسانيا تحت الشعار المكيافيلي الكريه “الغاية تبرر الوسيلة”.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتناول مسلك الديكتاتور في الاستبداد بعيدا عن بدايات تكوين شخصيته وسلوكه الأول، إذ أنه يبدو في تشبثه بالكرسي كطفل يتشبث بلعبته لا يحب أن ينازعه فيها أحد، وانظر إلى حال كل ديكتاتور ستجد الكرسي جزءا لا يتجزأ من ممتلكاته الخاصة كلعبة أو قطعة حلوى، وهذا ما يفسر العداء المطلق للديمقراطية التي لا يعرفها قاموس الديكتاتور، ولا تعرف إلى مجلس حكمه الذي يبدو فيه حاكما أوحد لا شريك له في حكمه.. لا أحزاب ولا تنظيمات ولا رأي يناهض رأيه، لأنه يعتبر كل هذه الأدوات التي تبنى بها المجتمعات وتنهض بها الشعوب معاول هدم لإمبراطوريته الفريدة وديكتاتوريته العنيدة.
ولا أعتبر قصرا يدير الحكم فيه ديكتاتور تمر العقود من الزمن وهو قابض على الكرسي كالفريسة، سوى مصحة كبيرة تظهر فيها كل العلل والأمراض النفسية المقيتة التي تتوطن في نفس وعقل وجسد الديكتاتور ليزداد توحشا وتغولا، بينما يزداد الذين ابتلوا بديكتاتوريته ظلما وقهرا وتجويعا وتهجيرا وتهميشا وإقصاء في منافي الأرض من شرقها إلى غربها.
أما السبب الثاني الذي يسهم في صناعة الديكتاتور، فهي “الضحية” بالطبع.. كيف؟
إنه الضعف والاستكانة والخنوع والقبول بدور الضحية واستمراء المظلومية التي يلجأ إليها المقهورين بسلطة مل ديكتاتور، وأتعجب كل العجب أن يستطيع شخص مريض بالديكتاتورية أن يرهب مجتمعا بأسره، فلا يتحدث أحد إلا التفت حوله، ولا يتنفس أحد إلا عد أنفاسه خشية أن يلتقطها رادار الديكتاتور.
لقد حكى التاريخ كثيرا عن سير الديكتاتوريبن، منهم من طغى ومن أفسد في الأرض، لكنه في الوقت ذاته سجل بحروف من نور قمم ورموز من الأحرار الذين استطاعوا أن يضعوا حدا لكل جبار عنيد، ويتمردوا على الطغاة والمستبدين ويضعوا حدا لديكتاتوريتهم بفرض الديمقراطية الشعبية التي ولدت من رحم الإرادة والمقاومة والإيمان بأن الحاكم ليس نبيا وأن نهجهه في الديكتاتورية ليس كتابا سماويا يفرض عليهم الطاعة والتسليم والانحناء لأوامر علوية.
باختصار، أقول عن يقين أننا نساهم في صنع الديكتاتور بالضعف والاستكانة وقبول الذل والمهانة، حتى أصبحت العلاقة بين الضحية والديكتاتور علاقة طردية، كلما زاد ضعف الضحية كلما توحش الديكتاتور، كلما بعدت الديمقراطية عن الأرض بعد المشرقين.
ومن ضعف المحكومين واستسلامهم للديكتاتور، تتولد في هذا الفضاء المسموم كائنات أشبه بمصاصي الدماء التي تجيد أفلام هوليود تصويرها، إنهم الحاشية الديكتاتورية الذين يتغذون على دماء الضحية ويقدمونها قربانا لسيدهم وولي نعمتهم الديكتاتور، هؤلاء هم السبب الثالث في صناعة الديكتاتور.. لماذا؟
إنهم يزينون له سوء عمله فيراه حسنا، ويمجدون إخفاقه فيراه نجاحا وتحليقا، ويبادرون بالثناء على مذابحه كأنما طهر الأرض من الدماء الملوثة.
هؤلاء الكهنة هم المنافقون الأفاقون الذين ترتبط طموحاتهم بدائرة السلطة ومجلس الديكتاتور، وبالطبع فهم لا حاجة لهم بشعب مقهور مغمور تحت ركام الفقر والقهر والجهل والمرض، ولذلك تجدهم على الدوام يدافعون ويمجدون شخص الديكتاتور ويشهرون سيف العمالة والتخوين ضد كل من يفكر في معارضة الديكتاتور أو انتقاد سياساته.
هذه جملة الأسباب الثلاثة التي تنفخ في رأس الديكتاتور فيصبح تنينا ينفث النار في كل من يقترب من كرسيه ويحرمه من الخلود في جنة الحكم وسلطة الاستبداد.. فما الحل إذن؟
لست ساحر لأضرب بعصاي على ديكتاتور وأقرأ عليه تعويذة الديمقراطية فيتبدل حاله ويؤمن بالتغيير وتداول السلطة، ولست قائدا مغوارا لأحشد القوات إلى قصره فأزيحه، ولكنني قارئ للتاريخ، وفي قراءة التاريخ عبرة تقول في مجملها: إن الديكتاتور عدو للإنسان الحر، وللأرض الحرة، ولسنة الكون، ولذلك فإن كل عدو يلزمه مقاومة لتحرير الأرض والبشر من شروره وإطلاق سراح الإنسان من أسر كل ديكتاتور عنيد في أي بقعة على هذه الأرض.. إنه التحرير ولا شيء غيره.. فاعتبروا يا أولي الألباب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.